الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
67
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الذي تأكل الطير من رأسه هو رائي أكل الطير من خبز على رأسه . وإذا كان نظم الآية على غير ما صدر من يوسف - عليه السّلام - كان في الآية إيجاز لحكاية كلام يوسف - عليه السّلام - ، وكان كلاما معيّنا فيه كل من الفتيين بأن قال : أما أنت فكيت وكيت ، وأما أنت فكيت وكيت ، فحكي في الآية بالمعنى . وجملة قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ تحقيق لما دلت عليه الرؤيا ، وأن تعبيرها هو ما أخبرهما به فإنهما يستفتيان في دلالة الرؤيا على ما سيكون في شأن سجنهما لأن ذلك أكبر همهما ، فالمراد بالأمر تعبير رؤياهما . والاستفتاء : مصدر استفتى إذا طلب الإفتاء . وهو : الإخبار بإزالة مشكل ، أو إرشاد إلى إزالة حيرة . وفعله أفتى ملازم للهمز ولم يسمع له فعل مجرد ، فدلا ذلك على أن همزه في الأصل مجتلب لمعنى ، قالوا : أصل اشتقاق أفتى من الفتى وهو الشاب ، فكأنّ الذي يفتيه يقوي نهجه ببيانه فيصير بقوة بيانه فتيّا أي قويا . واسم الخبر الصادر من المفتي : فتوى - بفتح الفاء وبضمها مع الواو مقصورا ، وبضم الفاء مع الياء مقصورا - . [ 42 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 42 ] وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ( 42 ) قال يوسف - عليه السّلام - للذي ظن نجاته من الفتيين وهو الساقي . والظن هنا مستعمل في القريب من القطع لأنه لا يشك في صحة تعبيره الرؤيا . وأراد بذكره ذكر قضيته ومظلمته ، أي اذكرني لربك ، أي سيدك . وأراد بربه ملك مصر . وضميرا فَأَنْساهُ و رَبِّهِ يحتملان العود إلى لِلَّذِي ، أي أنسى الشيطان الذي نجا أن يذكره لربه ، فالذكر الثاني هو الذكر الأول . ويحتمل أن يعود الضميران إلى ما عاد إليه ضمير وَقالَ أي يوسف - عليه السّلام - أنساه الشيطان ذكر اللّه ، فالذكر الثاني غير الذكر الأول . ولعل كلا الاحتمالين مراد ، وهو من بديع الإيجاز . وذلك أن نسيان يوسف - عليه السّلام - أن يسأل اللّه إلهام الملك تذكر شأنه كان من إلقاء الشيطان في أمنيته ، وكان ذلك سببا إلهيا في نسيان الساقي تذكير الملك ، وكان ذلك عتابا إلهيا ليوسف - عليه السّلام - على اشتغاله بعون العباد دون استعانة ربه على خلاصه . ولعل في إيراد هذا الكلام على هذا التوجيه تلطفا في الخبر عن يوسف - عليه